أنطوان السّبعَلاني المعلّم الذي جعل الكرامة مهنة، والكلمة موقفاً

 

 

 

ما كان أنطوان السّبعَلاني، يوماً، إسماً عابراً في تاريخ التعليم اللبنانيّ.

 كان المعلّم، والشاعر، والنقابيّ، والأديب.

إنسان جمعت سيرته التناقضات النبيلة كلّها:

صرامة الموقف ورقّة القلب،

قوّة الكلمة ورهافة الحسّ،

 الإيمان المسيحيّ الرسوليّ والتمرّد على ظلم ممثّليه،

 الإنتماء إلى المؤسّسة ومحاربتها إحقاقاً لحقّ.

عرفه الناس نقيباً للمعلّمين،

والمدرّسون رائد الدفاع عن الحقوق،

عرفته الميادين صوتاً صارخاً في بريّة النظام اللبنانيّ،

وعرفه الشعراء أميراً من أمراء البيان،

عرفته عائلته أباً وزوجاً وجدّاً،

أمّا، نحن، تلامذته فعرَّفناه بلقبنا الأحبّ “النقيب.”

عرِفناه معلّماً من خارج الصندوق كما يقول الأنكلوسكسون.

ما علّم يوماَ مناهج وزارة التربية المعلّبة الضائعة في توازنات الطوائف والمذاهب، تراعي هذا وتخجل من ذاك.

على العكس، أطلقنا، تلاميذه، على  درب جلجة الحريّة وسبقنا إليها.

علّمنا أنّ الله خلق الإنسان من حريّة معجونة بصرامة أخلاق قبل كل شيء.

أدخلنا، على غفلة منّا، إلى عبقر تذوّق الجمال شعراً ونثراً.

أخذنا من كنيسة الزواريب إلى رحابة يوحنا الثالث والعشرين وبولس السادس.

يرحل الأغلب الأعمّ من الرجال فيترك غيابهم بعض فراغ أو يكاد.

أمّا أنطوان السّبعَلاني فيترك وراءه إرثاً معنويّاً لا يمحى،

يترك وراءه، بدل العائلة، قبيلة.

طائفة تلاميذ شبّت وشاخت على منعة أخلاق ممزوجة بعبادة وطن.

قبيلة غزا بها صروح العلم وعوالم الأدب.

سبعل الجذر الأول

قد يكون أنطوان السّبعَلاني وُلد في بلدة سبعل في قضاء زغرتا سنة 1935،

لكن المؤكّد أن سبعل لم تكن مجرّد مسقط رأس،

كانت جذر الهويّة والإلهام الأوّل،

مقلعه الخاصّ للكرامة، والصبر، والإنتماء.

سبعل، القرية الجميلة التي تنظر إلى البحر بغوى مرتكية إلى جبل شامخ، ثبّتت في روحه قناعة بأنّ الإنسان بمن يكون لا بما يملك.

أخذ منها الأسم ونبرة الأرض،

صلابة سنديانة ورهافة إنسان آمن أن الحرف شراع والقرية وطن.

تلقّى علومه الإبتدائيّة والتكميليّة والثانويّة في مدرسة الفرير في طرابلس.

مدرسة ستبقى موضع وجده الأوّل والأخير.

الرحم الذي سيكون سرمد مسيرته:

منها تخرّج،

وإليها عاد معلّماً،

وفي رحابها ستدور واحدة من أكثر قضاياه عمقاً ووجعاً.

نال إجازة في الأدب العربيّ من جامعة القدّيس يوسف في بيروت سنة 1964، فاجتمعت في شخصيّته صرامة التربية الفريريّة مع البعد الرسوليّ اليسوعيّ مضافة إلى عمق متمكّن من ثقافة عالميّة الرحاب وحسّ شاعر لا يرضى أن تبقى لغة الضادّ رهينة عند الفراهيدي.

المعلّم قبل النقيب

بدأ رحلة التعليم في مدرسة الفرير في طرابلس عام 1956.

درّس ايضاً في مدرسة القلبين الأقدسين في طرابلس، وفي مدرسة راهبات الناصرة في كفرزينا. ومع انتقال قسم من مدرسة الفرير من طرابلس إلى زغرتا نتيجة لأحداث العام 1975، وتأسيس معهد دولاسال في كفرياشيت، ، تبع النقيب معشوقته في حلّها وترحالها.

يدخل السّبعَلاني الصفّ، لا كموظّف في عمل مأجور، كما سيقول لاحقاً في قصيدته “المعلم الأجير”، بل كهارون في المحراب وقدس الاقداس.

 ما كانت العربيّة عنده يوماً مقرّراً نظاميّاً بل سرّاً هرمسيّاً يداعب وجدان الطالب.

لم توقفه يوماً قضبان معتقل المنهج الرسميّ ولا أسوار السجن العربيّ الكبير.

المنهاج مقرّر ومفروض،

الإمتحانات الرسميّة هي هي،

لكن السبعلاني مهجوس بلغة عربيّة تمتدّ على مساحة الحياة.

اضطرّ كثيراً للإستعانة بأصحابه من المستعربين اللبنانيّين من أمثال سعيد عقل و”ياراه” ويوسف الخال و”شعره” وغيرهم الكثير الكثير،

وبالمشارقة من أمثال نزار والسيّاب ونازك الملائكة وأبوفرات إلى آخر المنظومة.

لم يقصّر أبداً في استدعاء أهل المغرب من أمثال أبو القاسم ومحمّد شكري والطاهر بن جلّون والطيّب صالح.

وطبعاً كان لا بدّ من مصر ولو طال المسير، مع أحمد شوقي وطه حسين وأحمد امين وغيرهم وغيرهم ممن عملوا على كسر طلاسم العقول والقلوب.

أمّا أصحابه الأعاجم فلم يقصّروا معنا أيضاً من هوغو وسانت إكزوبيري وغوتّه إلى سارتر وتيّار دوشاردان ومثلهم وامثالهم…

في لبنان الممزّق بالحرب، كانت العائلات على قلق دائم.

الطرق “سالكة وغير آمنة” و”آمنة وغير سالكة” على ما يذيع شريف الأخوي راديو الدولة الغائبة عن السمع.

ذلك كان زمن سبق أزمان الفطريّات الإعلاميّة التي زادت على الهمّ الوطنيّ هموماً بعضها محليّ وأغلبها مستورد.

أما المؤسّسات فرحلة سقوط متواصل.

الأخلاق إلى انحلال وتحلّل.

رويداً رويداً يذوب التلج و…

غابة أشبه بما وصف الإمام الشافعيّ:

“وليس الذئب يأكل لحم ذئب   ويأكل بعضنا بعضاً عيانا”

البلد ينغلق على نفسه،

والمناطق تتنطّح دولاً،

أمّا السّبعَلاني فمشغول بمقاومة انهيار دنياه ودنيانا.

وسيلته الأدب والثقافة ممزوجة بالشعر قديمه وحديثه.

تعرفّنا من خلاله على قامات لبنانيّة وأخرى عربيّة، وغير عربيّة أيضاً، وإلى أدباء كان مجرّد ذكرهم، في بيئة محليّة صافيّة النقاء، قد لا “يمضي على خير.”

في بيئة مارونيّة صرف دخلنا معه إلى عالم مارسيل خليفة المناضل اليساريّ وزياد الرحباني الفنان الشيوعيّ.

زارنا في صفّنا محمود درويش عضو اللجنة المركزيّة لحركة “فتح” ليقول:

“موطني حيث الغمام   يعانق أسراب الحمام”

“فتح” نفسها التي كانت تقاتل ما يسمّى باليمين المسيحيّ على بعد كيلومترات قليلة من مدرستنا.

طبعاً في زيارة شعريّة ليس إلا…وإلا

لم يقصر بتعريفنا إلى مواقف بسترناك وسولجنستين السوفياتيّة ولا على أجواء الجاز الأفروأميركيّة.

أفق إنسانيّ يتجاوز حدود الأوطان والطوائف والمناطق والسياسات والإديولوجيّات.

لم يكن ذلك ترفاً ثقافياً بل فعلاً تربويّاً شجاعاً.

في زمن الحرب، حين ضاقت الهويّات، كان السّبعَلاني يوسّع هامش الادب.

وحين هربت المؤسّسات من السؤال، جعل السؤال ركيزة التعليم.

وحيث الطالب متلقٍّ صغير غالباً، رأى السبعلاني رجلاً قيد التحضير.

تعدديّة كونيّة ولكن صفوف السبعلاني بقيت خلطة واحدة: لغة وفكر وحصانة أخلاقيّة.

فيا للمواهب التي خرّجها قلمه: شعراء وأدباء وكتّاب…

تحت رعايته نشأ “المحفل الأدبيّ،”

منتدى أدبيّ طلابيّ أصيل لا نشاط مدرسيّ فولكلوريّ ليرضى وليّ الأمر.

مختبر كامل في الكتابة والتحرير والنقاش والنشر.

إعلان تربويّ في عمق جوهره:

الطلاب قادرون على حمل اللغة إذا آمن بهم معلّم حقيقي.

لا أنسى يوم حملت إليه مقالاً أتّهم فيه ب”البلاجيا “قامة ثقافيّة كبيرة.

رائد من رواد الحداثة الشعريّة، إيليّا ابي ماضي في قصيدته الشهيرة “الطين”.

جلّ مبتغاي حينها نشر العمل في مجلة المحفل الأدبيّ.

وهنا كانت المفاجأة.

لم يتعامل السّبعلاني مع النصّ كواجب مدرسيّ لطالب في الخامسة عشرة من العمر.

حمله، بعد طول تمحيص، إلى صديقه رئيس تحرير جريدة الأنوار فؤاد دعبول.

كانت تلك مقالتي الأولى وبداية علاقة لم تنتهِ بالسلطة الرابعة.

 بالنسبة للنقيب، الطالب ليس إنساناً مع وقف التنفيذ،

بل مشروع مستقبليّ إذا وجّه إلى الصراط المستقيم.

رائحة خبز ومطر

في عيد المعلّم، خاطبه أحد تلامذته، الدكتور فوزي يمّين.

رسم صورة تختصر أنطوان السّبعَلاني المعلّم:

“كأنّه بعد أكثر من ثلاثين سنة ما زال واقفاً عند باب الصف في مدرسة الفرير في كفرياشيت،

محنيّ الرأس تواضعاً،

مرفوع الهامة كبراً،

تفوح منه رائحة “خبز ومطر”،

ينتظر دخول آخر تلميذ،

ثم يدخل كالأب الذي اطمأنّ إلى أولاده،

ويغلق الباب ليفتح أبواب الجمال والحبّ والحقّ والحريّة.”

ليست هذه مبالغة خطابيّة وإن كان فوزي أديباً حمّال أوجه.

هي شهادة طالب بقي مهجوساً بصورة معلّمه ولو بعد عقود.

هي “ماركة” المعلّمين الذين لا تنتهي حكايتهم مع التخرّج.

يبقى صوته في الداخل،

لا بل يتحوّل إلى قوة دفع،

وجرس إنذار إذا اختلّ الميزان.

الباحث محسن إدمون يمّين يكتب في رثائه:

“صورة السّبعَلاني لا تغادر الذاكرة،

بخلاف المكان الذي تغيّر أو زال بفعل الحرب.”

هو “شاعر وأديب في ثياب مربٍّ،”

يوقظ في الطلاب اهتماماً بالعربية وآدابها،

ويفتح “قضبان البرامج” ليدفعهم إلى ما هو أوسع.

كتب بما يصلح وحده عنواناً لانطون.

البعض كان يقرؤه، أمّا تلامذته فكانوا “يسمعونه” بأشفار العيون.

هذا هو المعلّم الحقيقيّ.

تعليمه همس في ضمائرنا،

 ونبراسه صراط نحاول وان لم نستطعه.

من الصفّ إلى النقابة

لم يكن أنطوان السّبعَلاني معلّماً في الصفّ فقط.

منذ أوائل الستينيّات بدأ دوره النقابيّ بالبروز.

مثّل معلّمي الشمال في نقابة معلّمي المدارس الخاصّة سنة 1961.

انتُخب نقيباً للمعلّمين في آذار 1970 واستمرّ في هذا النضال حتّى سنة 1992.

حمل مسؤوليّة المعلّمين في أحلك ظروف البلاد، من بداية الأزمة حتى نهايتها الرسميّة.

حرب أهليّة،

انهيار  في المؤسّسات،

تهجير وخوف

ومدارس تتغنى بالمعلّم صاحب الرسالة ولا توفّر أزمة للسطو على حقوقه الأساسيّة.

صار المعلّم معلّقاً بين صليب الأزمة الاقتصاديّة وجلجلة كمّ الأفواه الحرّة والمطلبيّة.

تعايشت المؤسّسات التربويّة مع قوى الأمر الواقع حتى وصلت إلى استنساخ اساليبها الهمجيّة في السياسة التربويّة.

عرف السّبعَلاني العلم رسالة، لكنه رفض أن تستغلّ “الرسالة” لوأد حقوق المعلم.

في معياره الأخلاقيّ لا كرامة للتعليم إلا بصون كرامة المعلّم.

المعلّم، بالنسبة للسّبعلاني، كاهن في معبد العلم لا ناسك في مغاور قنّوبين،

رفض أن يشنق المعلّم بحبل رسالته آخذاً معه أهل وأولاد.

النقابة التي تحوّلت معه إلى إطار تمثيليّ جديّ وإلى قوّة حيّة بقيت جسراً بين المناطق والمذاهب. آمن السّبعلاني باللامركزيّة فحرص على حضور النقابة في الأقضية والمحافظات.

حرص على أن لا تبقى النقابة أسيرة العاصمة أو حكراً على الصفوة ومدارس النخبة.

في شهادة شرف أبو شرف، يظهر السّبعَلاني كأحد رجال المرحلة النضاليّة والمطلبيّة قبل ان تسقط النقابات في شرك السياسة.

كان من صانعي “الثورة البيضاء” دفاعاً عن كرامة المعلّم.

عمل مع رئيس لجنة التربية الوطنيّة لويس أبو شرف، الذي سمّي “نائب المعلّمين”، على إنشاء لجان الأهل لمراقبة الأقساط المدرسيّة،

ورفع رواتب المعلّمين،

ووضع مراسيم تطبيق قانون 1977.

السّبعَلاني الشاعر الحالم، كان علميّاً وعمليّاً واقعيّاً.

الكرامة تحتاج إلى قانون يكرسها،

والقانون يحتاج إلى نقابة تحميه،

والنقابة تحتاج إلى فدائيّين.

“المعلّم الأجير”: طريق الجلجلة

تشاء الأقدار أن تصير قصيدة “المعلّم الأجير” التجسيد الماديّ لنضال السّبعَلاني في وجه المادّة 29 من قانون تنظيم الهيئة التعليميّة في المدارس الخاصّة.

 كانت القصيدة أوسع من كلمات وحروف.

 أتت لتضع إصبعاً في جرح التربية في لبنان.

المعلّم الذي يغنّى كصاحب رسالة، يُعامل كأجير لا أكثر بل أقلّ.

القصّة ما كانت قصّة رمّانة بل قصّة قلوب “ملياني” كما يقول المثل اللبنانيّ البلديّ.

المؤسّسة التي أعطت لبنان كبار كبار، من أساتذته ومحاميه وسياسيّه وإداريّيه وظباطّه، وغيرهم وغيرهم الكثير على أيّام المؤسّسين العظام، ضاق صدرها بطاردي التجّار من الهيكل على عهد مدرائها البلديّين.

رحم الله الإنتداب على هذا الصعيد وباقي الصعد.

بهذه القصيدة، مع الصغار الصغار، بلغ السيل الزبى فكانت الحجّة الموصوفة في صرفه من مدرسة الفرير، الصرح الأحبّ إلى قلبه.

المدرسة التي يقول فيها السّبعلاني في “رسالة حبّ إلى تلامذتي في مدرسة الفرير طرابلس”: “تلامذتي اليوم هم النازلون في قلوبنا،

وفي وجداننا على الذكريات الألف،

في مدرسة الفرير، طرابلس.

المدرسة العملاقة التي إليها ننتسب جميعاً.

وأكرم به من نّسب!…”

ضُرب النقيب بالحرم الكبير فأقفلت في وجهه أبواب المدارس الكاثوليكيّة في طول البلاد وعرضها إلا من قلّة ما تاهت عن تعاليم إبن الإنسان.

جرّ النقيب إلى المحاكم من ضمن استراتجيّة واضحة لتركيعه.

وشتّان بين أمانة عامّة تشتري جحفل محامين بفلس الأرملة إيّاه،

وأستاذ أعزل يحارب عن كل معلّم ومعلّمة في أربع أرجاء الوطن.

دامت المحاكمة سبعة عشر عاماً.

تعبت المؤسّسة ولم ينحنِ المعلّم.

كيف لا وهو من لم يحفل برأيٍ غير رأي الناصريّ.

طريق جلجلة طويل مشاه مع عائلته.

لكن على عكس ما تصوّر حثالة التربية، لم يمشِ النقيب وحيداً.

لم يتصوّر هؤلاء الجياع إلى كل شيء،

خاصّة إلى الكرامة والعفّة،

أنّ من علّمهم السّبعلاني على الإستقامة والإستماتة في سبيل القضايا الحقّة سيمشون معه لا ميلاً بل سبعاً وسبعين ميلاً ويزيد.

سبعون محامي من طلّابه القدامى، في طليعتهم الدكتور محمّد الجسر.

صورة سورياليّة نادرة ندرة الوفاء.

تلامذة يعودون للدفاع عن معلّمهم.

الصفّ يعود إلى المحكمة.

التربية تردّ الدين للذي علّمها الكرامة.

يؤكّد بيار أن القضيّة التي حارب والده من أجلها، الدفاع عن حقوق المعلّمين، لم تكن مجرّد واجب نقابيّ، بل انحيازاً طبيعيّاً عند السّبعلاني إلى كلّ مظلوم.

أو ليس هو القائل:

“أنا لا أنام وقرب بيتي بائسٌ     مأساتُه خبز الحياةِ ودارُ”

فقرار الأمانة العامّة للمدارس الكاثوليكيّة الظالم عاقب الوالد لأنه دافع عن مطالب محقّة للمعلمين، لكن “ما بصحّ إلا الصحيح.”

من أبلغ ما يذكر بيار من تلك التجربة المحنة وصيّة الوالد زمن المحاكمة.

 “الحياة مجموعة خيارات يا بنيّ، وأحبّها إليّ خيار يرضي ربّك وكرامتك…”

هذه العبارة لا تختصر موقفاً بل تلخّص رجلاً.

في مواجهة السنهدرين المسيحيّ

في قصّة أنطوان السّبعَلاني مفارقة موجعة.

أن تكون مسيحيّاً ملتزماً،

سليل عائلة مسيحيّة أباً عن جدّ،

معلّماً في إرساليّة مسيحيّة،

ثم تصطدم بالسلطة التربويّة الكاثوليكيّة،

لا لشيء إلا لأنّك على لم تحيد عن خطى معلّمك الناصريّ.

لأنّك دافعت عن الحقّ حين أنكره أهله،

حقّ المعلّم في حياة لائقة وكرامة موفورة.

الخلاف لم يكن مع روحانيّة المجمع الفاتيكانيّ الثاني.

الخلاف وقع مع المؤسّسة حين تَضيعُ البوصلة.

الخلاف وقع مع قيافا حين سلطتُه تعلو الكتاب.

ما فعله السّبعلاني، وأفاض بذكره في حواره الافتراضيّ مع القديس يوحنّا دولاسال مؤسّس أخوة المدارس المسيحيّة المعروفة بالفرير، أنّه أعاد تذكير القيّمين على الإرساليّة بأنّها يجب أن تشهد للمسيح وتكون على منواله المثل والمثال.

فهل يقصى معلّم مسيحيّ لأنه طالب بالعدل، لا لنفسه، بل لزملائه؟

في مقال “نكبة بيت السّبعَلاني”، تظهر المرارة بعبارات قاسية:

محاكم،

تأديب،

إتهامات،

وسبعة عشر عاماً من المواجهة،

تختصرها صرخة عملاق الشعر اللبنانيّ سعيد عقل في قصر العدل:

إذا كان السّبعَلاني بريئاً فقولوا لهم ذلك،

ولو فرضنا أنه مذنب، فأين تسامح المسيح؟

الأب الذي باع أرضاً

في مجموعته الشعريّة الأولى “خبز ومطر،”

تقف صورة الأب هوّاش في خلفيّة التجربة كلها.

في إهداء من أكثر إهداءاته عاطفيّة،

كتب إلى “الذي باع زيتوناً كي يشتري لأبنائه علماً.”

في بلادنا، الزيتونة ليست شجرة عاديّة.

هي إرث وذاكرة واستمراريّة.

أن يبيع الأب شجر زيتونه ليشتري العلم يعني الكثير.

أن يستبدل الأرض بالمعرفة،

والجذور بالمستقبل،

والموسم بالكرامة.

من هنا نفهم لماذا  التعليم عند أنطوان السّبعَلاني ليس مجرّد مهنة.

كان ثمرة تضحية عائليّة.

“خبز ومطر” لم يكن عنواناً شعريّاً فقط.

كان فلسفة حياة.

الخبز هو الكرامة اليوميّة.

المطر هو الرجاء.

بينهما عاش السّبعَلاني.

يكتب كي لا يجوع الإنسان معنويّاً،

ويناضل كي لا يجوع المعلّم فعليّاً.

الأم التي باعت حلاها

أمّ أنطوان لم تكن بعيدة عنها الجوّ. يخاطبها السّبعلانيّ في اهداء كتابه “أصداء ملوّنة” مثمّناً تضحياتها في سبيل تعليم أولادها.

وكانّها تنحو مع من قال:”العِزُّ بالعِلْمِ لا جَاهٌ وَلَا مَالُ … وَالْفَخْرُ بِالجهد لَا عَمٌّ وَلَا خَالُ”

الشاعر: من الوجع إلى الجمال

ألّف السّبعَلاني عدداً لا يستهان به من الكتب والدواوين من بينها:

“خبز ومطر”

“أصداء ملوّنة”

“النورس آتٍ غداً”

“أسئلة في الشمس والكبرياء”

“قضيّة السّبعَلاني: المحاكمة”

“المعلّم الأجير”

“النقابيّ”

و”رسالات حبّ كثار.”

غير أن أدبه لا يُقرأ بمعزل عن سيرته.

كان شعره امتداداً لمواقفه،

ومواقفه تكثيف لشعره.

كتب عن فلسطين،

عن الفقراء،

عن المعلّم،

عن الوجع،

ونادى بالإنسان أنّا وجد.

ولأنه كان شاعراً مرهفاً،

لم يكن الشعر عنده تزييناً لخطاب،

بل وقفة حقّ عند سلطان جائر.

كتب عن الأمّ تيريزا،

رأى في راهبة كلكوتا المنسيّة صورة للفقر العالميّ،

وللرحمة التي تغطي المنسيّين بالشال الأبيض.

كتب عن الحريّة،

لكنّه لم يتعامل معها كشعار سياسيّ،

بل كحقّ إنسانيّ.

ردّاً على التهمة الكهنوتيّة الجاهزة أبداً صدح السّبعَلاني:

“أنا لست أؤمن باليسار وإنّما     قلبي وقلب العالمين يسار.ّ

بعيداً عن التأدلج كان انحيازه الأساس هو الإنسان.

العائلة: جورجيت، بيار، شادي، ناتالي

صميم حياة أنطوان السّبعَلاني كانت العائلة.

تزوّج جورجيت موسى جرجي سنة 1972.

في شهادات تلامذته،

تظهر جورجيت لا كظلّ للرجل،

بل كمناضلة رافقته على طول النضال والألم.

أبناؤه بيار وشادي وناتالي،

ما كانوا إلا شهوداً على كلفة “ما ترك لي الحقّ من صاحب” على ما يقول عليّ بن أبي طالب.

دفعوا معه ضريبة الموقف،

وتبعات الصرف،

والضيق،

والإرتحال والترحال،

والوجع الطويل.

من خلال شهاداتهم،

نرى السّبعَلاني الأب،

لا السّبعَلاني الرمز فقط:

البيت،

الأصدقاء،

المحن،

الوفاء،

والذاكرة التي لا تريد أن تخون.

في سنواته الأخيرة، أضاف الحفيد أنطوان طبقة جديدة إلى حياته.

في قصيدة “الصغيران”،

نرى السبعلاني  يعود طفلاً أمام حفيده،

ويستسلم لدهشة الحياة المتأخرة.

بعد كل المحاكمات والخيبات والخذلان،

بقي قادراً على أن يفرح بلمسة يد طفل.

هذا هو فن البدايات المتجدّدة الذي علمنا إياه نقلاً عن يوسف الحوراني.

من أعمق شهادات الوداع ما كتبه طبيبه الدكتور المرّ.

قال بأن الشعر لم يكن في قصائده فقط،

بل في أخلاقه وصدقه ووفائه وصبره.

وهذا دأب السبعلاني منذ عرفناه،

يدخل القلوب من بابها العريض،

ويأبى أن يغادر.

 أن يبقى الإنسان نبيلاً في تعبه،

رقيقاً في ضعفه،

وفيّاً في عجزه،

فذلك دليل أن الكرامة لم تكن لديه خطبة منبريّة،

 طباعٌ كانت فيه ولا من تطبّع.

الأصدقاء: حرّاس الذاكرة

حبيب يونس، الأديب، رآه “الشاعر السنديان”.

كتب أن السنديان ارتقى إلى خالقه،

وأن المعلّم النقيب غاب وبيته على كتفه.

ما زال الشاعر قزحيا ساسين يناديه:

“يا صاحبي… يا معمّر الطبشور.”

رآه مصلوباً على كأس الخل،

حارساً لخيام الوجع،

يقبّل جراحه ولا يترك الحق مكسور الخاطر.

 في قصائده يتجسّد السّبعَلاني طبشوراً،

وجبلاً،

وصليباً،

وعنيداً يلبس الحق عناده.

جرمانوس جرمانوس أهداه قصيدة،

يرى فيها يديه مناديل مرسومة عليها وجوه الأهل،

ونظراته مراسيل تقطع المسافة كي تلاقيها.

هذه الصور ليست زخارف وانشاءات سفسطائيّة.

إنها محاولة جماعيّة لفهم رجل “كثير التعقيد.”

لم يكن يكفي أن يقال عنه “المعلّم” أو”الشاعر” أو “النقيب.”

كتب أسامة ذوق، الذي وصف نفسه ب”سكرتيره منذ نصف قرن”، بوفاء قلّ نظيره عن:

نسخة “خبز ومطر” موقّعة بخطّ يد السّبعَلاني،

رقم هاتف منزله في شارع الميناء،

صور ولادة بيار،

سيارة البيجو،

وحقبات كاملة من عمر مضى.

يخاطبه أسامة ذوق بعبارة “النقيب رغم أنفهم.”

عبارة تختصر الكثير الكثير من التقدير والإقرار بكلفة النضال.

وهذا ما اجتمعنا عليه، نحن طلّابه، يوم أعلنّا الإضراب المفتوح في معهد دولاسال.

لم تعدم الإدارة وسيلة ضغط إلا واستعملتها،

وخاصّة على الطلّاب ذوي الأوضاع الحرجة و”فهمكم كفايه”

قُمعنا نعم، ولكن بقينا الدهر ننتظر عودة “المعلّم.”

ومضى العمر وبقينا نناجيه “معلّمنا رغماً عن أنفهم.”

أو ليس هو القائل لنا من معجن الضيق الذي كان فيه:

“أشْـــعَارُكمْ وَصـــَلَتْ إليَّــــا

لَكأنَّها، أنتــــمْ لديَّــا!

ألقَادِمـــــونَ أحبَّـــــةٌ

يا قلبُ، لا تَعتبْ عليَّــــــــا

أنا أعــرفُ الأحبابَ مِـــنْ

لَمْسِ الثَّيابِ ومنْ يـــــــديـَّا

من خَفْقَةٍ، بجَواْنحـــــي،

أو رفّــةٍ في مُقلتيَّـــــــا

أهلاً، بِوَفدِ الحــــبَّ،

فَاْجـأَني فَخمَّشَ وَجْنتـــــــــــيَّا

ألمانـــــعونَ قصائــديْ

هَلْ أمَّمُـــوا الضَّوءَ السَّـــخـيَّا؟

بَيْنـــي وَبَيْن أحبّــــتي

ســِرٌّ، يُقرَّبُهــمْ إليَّــــــــا

من يِعْــلُ، فَوقَ المـالِ، يبـقَ

اْلدَّهـــرَ، إِنْساناً قويَّـــــــا

إنَّـــي خَتَمْتُ قصيـــدتي

وكَأنَنــي ما قُلتُ شَيـَّــــــا…”

تزول صخور كفرذبيان ومزارعها،

على حبّنا لها ولأهل وأحباب لنا هناك،

يا أخّ آميل،

ولا ينقطع الوفاء لآل السّبعَلانيّ.

شيء واحد انقطع بفضلكم، مع الأسف،

الصلة بالمدرسة الرحم،

والثقة بالمؤسّسة الدينيّة.

صارت بسببك، وامثالك، جرحاً غائراً يغرز في وجداننا.

لكنّ الأمل دائماً موجود، يقول السّبعّلاني، فيما نبقى معه، نحن، ننتظر كرباج ابن الناصرة.

التلامذة يعودون

Version 1.0.0

رحل ولم تنقطع علاقته بتلاميذه،

لكأنّها صلة رحم أو أشدّ.

كتبوا لأنّ وصيّته لهم كانت أن يكتبوا.

“برحيله انطوت صفحة النضال المرير في الدفاع عن كرامة المعلّم في لبنان” قال تلميذه الدكتور محمّد نديم الجسر.

لكنه أضاف أنّ السّبعَلاني،

قبل أن يصبح رمزاً نقابيّاً،

كان مربّي العنفوان والإقدام،

ومفجّر طاقات العطاء في نفوس الطلّاب والشباب.

ليس في مدرسة الفرير فقط، بل في كلّ مدارس لبنان.

لم يكن في مرثيّة الجسر،

 مجرّد مدرّس بارع،

بل مربيّاً للأرواح،

ومحفّزاً للإرتقاء،

وملهماً للعطاء.

يصفه دوميط الدويهيّ، الذي صادف عرض فيلمه القصير عن قضيّة السّبعَلاني في أسبوع رحيله عن دنيانا، على صفحته:

“…القدوة في العطاء،

صاحب الروح الحرّة الخلّاقة،

صانع الأجيال،

الشاعر،

والنقيب الذي بقي يدافع عن حقّ المعلّمين حتى النفس الأخير…”

كأنّ القدر أراد أن يسمع الناس صوته من جديد وهو يهدر:

أنّ الحقّ لا يموت ولو قامت الساعة.

هذا غيض من فيض ودليل على عبقريّة هذا المعلّم.

فالمعلّم الحقيقيّ لا يصنع تلامذة ناجحين فقط،

بل يتركهم شهوداً على عظمة الرسالة التربويّة.

الإعتراف الحقيقيّ بعظمة السّبعلاني لا تكون بالأوسمة،

ولا في بيانات النعي،

بل في فيضان الوفاء هذا،

الممتدّ من مشارق الارض،

حيث له مريدين،

إلى مغاربها حيث نكتب وننشر اليوم بفضل عطائه.

رجل صار جزءاً من ذاكرتنا وذاكرة أناس كثيرين.

المعنى الذي لا يموت

ما الذي يبقى من أنطوان السّبعَلاني؟

يبقى المعلّم الذي جعل الصفّ مساحة حريّة.

يبقى الشاعر الذي لم يفصل الجمال عن المعاناة.

يبقى النقابيّ الذي فهم أن إهانة المعلّم إهانة للمستقبل وللعلم وللوطن وللدين.

يبقى المسيحيّ الذي خاصم المؤسّسة حين نست أنه “لا يستطيع عبد خدمة سيّدين”.

يبقى الأب الذي دفع أولاده ثمن نضاله، لكنه ترك لهم هامات لا تنحني.

يبقى الجدّ الذي عاد طفلاً أمام حفيده.

يبقى الصديق الذي فهم أن صداقة المقعد الخشبيّ أطول عمراً من صلات الأرحام.

يبقى الوحي الذي وسوس لتلامذته أنّ اللغة ليست جماداً بل حياة.

كتب مغترب من تلاميذه

“لبنان مليء بالذكاء،

لكنه أفقر في الضمير…

وأنّ أغلب المعلّمين يدرّسون المواد،

فيما قلّة يعلّمون الحريّة

ويدفعون ثمنها.”

أنطوان كان من هؤلاء.

ابداً سيظل حاضراً،

لا كفكرة بل كوجود،

وشاحه المستريح على كتفيه،

صوته بنبرة سبعل التي لا تشبه غيرها،

رائحة سيجارة ال”كنت” رغم كرهنا للتبغ،

وعبارة الأخطل الصغير التي ترنّ في الرأس كأنّها آخر درس:

“يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحاً…”

رحل “نقيب الأوادم” أنطوان السّبعَلاني،

لكن الرجال الذين يشبهونه لا يرحلون،

 يتحوّلون إلى معنى،

نقول مع قزحيّا ساسين:

“يا صاحبي الحُرَّ… صرتَ الخَمرَ… نَشْوَتَها

لِشارِبيها كَثيرُ المَجدِ والرُّتَبِ

يَحيَا النَّبيذُ… بِأنْ ما خافَ معصَرةً

يَحيَا النَّبيذُ… بِأنْ ما ماتَ في العِنَبِ”

المجد لك يا نقيب المعلّمين.

السلام لك يا شاعر سبعل ولبنان.

والرحمة لروحك التي لم تعرف الإنحناء يوماً إلا لخالقها.

 

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Let's Build The Community

Let’s build something amazing for our Lebanese community in Canada. Our secret ingredient? Our legendary warmth and connection. The best part? We are just getting started. This is our blank canvas, our chance to shape a community bursting with life. So bring your voice, your wild ideas, and your passion. it’s not about material contribution; we only want your spirit and your vision. Let’s mix our collective energy to create something our future selves will be proud of. Ready to build with us? Your ideas are the first priceless contribution.

This website is for the Lebanese Canadian community in Halifax, but its roots and branches stretch far. It is where news meets memory, where culture meets conversation, where newcomers meet opportunity, and where heritage meets the future.

Opportunities

Cedar Whispers is here to lift up our own. If you run a small or medium Lebanese business in Canada, or if you are a freelancer, a self-employed professional, or a hardworking mother running a home-based hustle, we showcase you for free. No fees, no forms, no complicated nonsense. Just a simple way to help our community grow, support each other, and keep Lebanese success stories shining.

Disclaimer: The views expressed are solely those of the author and do not necessarily reflect the views of the editors or Cedar and Maple Brief.

Copyright © 2026 Cedar Whispers. All Rights Reserved.

Made with ♡ by Tahoors Creative Marketing