لم يكن البطريرك إلياس بطرس الحويّك مجرّد بطريرك مارونيّ في مرحلة صعبة من تاريخ المشرق، بل كان واحداً من الرجال الذين ارتبطت سيرتهم بولادة الفكرة اللبنانيّة الحديثة وبالتحوّل التاريخيّ من متصرفيّة جبل لبنان إلى دولة لبنان الكبير. تولّى السدّة البطريركيّة في حبريّة طويلة امتدت نحو أربعة وثلاثين عاماً، وشهدت احداثاً جساماً من نهاية السلطنة العثمانيّة إلى نشوء دولة لبنان مروراً بأهوال الحرب العالميّة الأولى ومجاعة جبل لبنان. وبالتالي، لا يمكن اختصار مسيرته برواية سيرة رجل دين فقط، بل يجب النظر اليه كقائد جمع بين الرعاية الروحيّة والعمل الاجتماعيّ من جهة وبناء المؤسّسات والدفاع السياسيّ عن لبنان من جهة أخرى.
وإذ ياتي إعلان تطويبه في زمن رديء، تعاقب فيه على الوطن ومؤسّساته صغار صغار،
لا يسع المرء إلا أن يردّد ما انشده، وإن في سياق مختلف، الشاعر ابراهيم اليازجي
“من الرجال رجالٌ عدّهم عبث وواحد قد كفا عن كثرة العدد”
لهذا السبب يحضر طيفه، خاصّة مع مرور مائة عام على إعلان دولة لبنان الكبير، كلما طُرحت العقدة اللبنانيّة الكأداء
هل لبنان مجرّد نظام مأزوم، أم رسالة حضاريّة تحتاج دائمًا إلى رجال يحرسونها كما حرسها الحويّك؟

حياة وسيرة الياس الحويّك
وُلِد الياس، بكر أولاد الخوري بطرس الحويّك السبعة، سنة 1843 في بلدة حلتا من قضاء البترون. دخل مدرسة مار يوحنّا مارون في كفرحيّ سنة 1851، حيث بدأ بدراسة اللغتين العربيّة والسريانيّة. انتقل إلى إكليريكيّة غزير سنة 1859 فدرس فيها اللاهوت والفلسفة وقواعد اللغات الفرنسيّة واللاتينيّة واليونانيّة تحت اشراف الآباء اليسوعيّين. ساهمت تلك المرحلة بتنمية مبكّرة لشخصيّة جمعت برشاقة بين الثقافة المشرقيّة والمعارف الأوروبيّة دون اغتراب عن الموروث السريانيّ المارونيّ. أرسله البطريرك بولس مسعد سنة 1865 لمتابعة دراسته اللاهوتيّة في المدرسة الحبريّة المارونيّة حيث بقي في روما حتى نيله شهادة الملفنة وعودته إلى لبنان.

رقّي الحويّك إلى درجة الكهنوت في حزيران 1870 وما لبث البطريرك بولس مسعد أن عيّنه كاتبًا لسرّه في البداية ، ومن ثم محامياً للزواج في الديوان البطريركيّ سنة 1872. في هذه المرحلة المبكّرة، برزت فضائله الأخلاقيّة بوضوح كرجل دين ملتزم بمبادئ الشفافيّة والاستقامة، غير متأثّر بالمدائح والمكائد، زاهد في الأعطيات والهدايا. باختصار، كان رجل كنيسة وخادماً متواضعاً حكيماً امتلك جرأة الكلمة، يقول ما يؤمن به بلا مواربة. ظهرت هذه الجرأة في قضيّة أسقف صيدا وصور بطرس البستاني الذي اتُّهمه العثمانيون، زوراً، بأنه يزرع بذور الفتنة بين الدروز والمسيحيّين. تمّ نفيه إلى القدس بطريقة مذلّة سنة 1877 فانعقد مجمع المطارنة في بكركي إنّما لم يتم التوصّل الى نتيجة عمليّة. فما أقرب زماننا إلى ذلك الزمان. عزم الحويّك، عندها، على ترك كلّ شيء والرجوع إلى قريته ضنّاً بكرامة الكنيسة وتعبيراً عن رفضه الرضوخ لجور السلطة.
رقّاه البطريرك بولس مسعد إلى درجة الأسقفيّة، مطراناً على عرقة ونائباً بطريركيّاً في كانون الأوّل 1889. سافر إلى روما في أيّار 1890، بناء على تكليف البطريرك يوحنا الحاجّ المنتخب حديثاً، من أجل طلب درع التثبيت وللإشراف على إعادة إحياء المدرسة المارونيّة. في هذا المجال بذل الحويّك جهودًا كبيرة لإعادة افتتاح المدرسة بعد أن تحوّلت المدرسة القديمة، حاليّاً مطعم “Sacro e profane” في زقاق الموارنة “Vicolo dei Maroniti”، إلى استعمالات زمنيّة. لم ينقطع اهتمامه بالمدرسة المارونيّة قطّ بل رعاها بعناية وأبوّة، وشرع في توسعتها سنة 1903. قام، لاحقاً، بشراء أراضي زراعيّة لتأمين مداخيل تؤمّن ديمومة المدرسة حتى لا تقفل لأسباب ماديّة كما جرى سابقاً. كان هذا الجهد جزءاً من رؤيته لكنيسة مارونيّة حاضرة في عواصم القرار لا منغلقة على نفسها في حدود الجبل، ولإكليروس مارونيّ محترف على تواصل واسع مع عواصم النهضة.

بعد وفاة البطريرك يوحنا الحاج في كانون الأوّل 1898، أصبح الحويّك البطريرك المارونيّ الثاني والسبعين واحتفل بتنصيبه في 9 كانون الثاني 1899. جاء انتخابه، وهو القادم من عائلة متواضعة لا تنتمي إلى الإقطاع المارونيّ التقليديّ كتتويج لمسيرة رجل كافح واجتهد وترقّى في مراتب كنيسته إلى أن انتخب رأساً لها، معزّزاً صورته كرجل خدمة لا كرجل امتياز وتاكيداً على خاصيّة مارونيّة عبّر عنها المفكّر اللبنانيّ العظيم شارل مالك، وهو إبن الكورة الأورثوذكسيّ، ألا وهي أنّ الكنيسة المارونيّة هي كنيسة الشعب.
مجد لبنان أعطي له
تظهر شخصيّة الحويّك الروحيّة في كتاباته ورسائله وصلواته، كما تظهر في مفهومه للخدمة. طبعت مسيرته فكرة العيش والموت في رضى الله، والسعي إلى التماس إرادة الخالق والإتحاد بها والإنقياد إليها، والإتّكال المطلق على رحمته وعنايته. سرّ نجاحه كان اتّحاده العميق بالله، وحياة الصلاة، والرغبة في إتمام مشيئة الله، والتسليم للعناية الإلهيّة، والطواعيّة لعمل الروح القدس. لهذا السبب وُصف بأنه رجل المحبّة بلا حدود، ونبيّ عصره في غيرته على كنيسته وعلى إخوته في الوطن من دون تفرقة بين الأديان والجنسيّات. أشهر ابتهالاته: «إلهي اجعلني أعيش وأموت برضاك» و«إرحم يا ربّ إرحم شعبك ولا تسخط علينا إلى الأبد» التي أمر أبناء الطائفة بأن يستصرخوها خاتمة كلّ صلاة وزيّاح خلال سنين الحرب والمجاعة. وتبقى صلاته إلى سيّدة لبنان خلاصة لهذا المزج بين الإيمان والوطن: «يا مريم سلطانة الجبال والبحار، ومليكة لبناننا العزيز… يا أرزة لبنان تضرعي لأجلنا». فلبنان عنده لم يكن حدوداً فقط، بل أمانة روحيّة وأخلاقيّة وسياسيّة.
أمّا على المستوى الكنسيّ والمؤسساتيّ، فقد عمل الحويّك على ترميم الكنائس والأديرة. رعى تشييد عدد كبير من الكنائس في لبنان كما امتدت عنايته إلى كنائس باريس والخرطوم والقاهرة ولارنكا ونيقوسيا. أمّا أهمّ إنجازاته، على هذا الصعيد، فكان تأسيس كنيسة ومزار سيّدة لبنان في حريصا سنة 1908 بالتعاون مع الكرسيّ الرسوليّ. زاد عدد المدارس الإكليريكيّة فأسّس مدرسة مار عبدا، ومدرسة عين ورقة، ومدرستين أخريين في القليعات وريفون. استحدث أبرشيّة صور المارونيّة، بعد فصلها عن أبرشيّة صيدا، وأسّس النيابة البطريركيّة المارونيّة في القاهرة. كما قام بتأسيس الوكالة البطريركيّة في القدس. اهتم أيضاً بدراسة أوضاع الموارنة في قبرص فأرسل اليهم وفداً عام 1902. وفي أواخر سنة 1919 أرسل وفداً لزيارة الموارنة في القارّتين الأمريكيّتين، وبدأ العمل على تشييد الكنائس والمدارس هناك، وعلى إنشاء أبرشيّات الاغتراب. كان هدف الحويّك من ذلك أن لا يذوب الموارنة بأبرشيّات الكنيسة اللاتينيّة الرومانيّة.
وعلى الرغم من الحرب، اهتم بالعمران. دعا إلى بناء الحارات في الأسواق المجاورة للأديرة والكنائس. أراد أن يحوّل البيوت الزراعيّة والتراثيّة، التي كان المزارعون يعيشون فيها قرب المواشي، إلى بيوت من طابقين: قبو في الأسفل وطابق لإقامة العائلة. نُفذ المشروع في محيط الديمان وقنّوبين وبلوزا وسرعل، وعلى أملاك البطريركيّة .
إلى جانب اهتمامه بتكوين الإكليروس، حمل الحويّك في وقت مبكّر مشروعاً اجتماعياً واضحاً. فباشر بتأسيس جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة مع مدرسة تابعة لها في جبيل سنة 1895، قبل ان تستقرّ في عبرين سنة 1896. هذه الرهبانيّة النسائيّة كانت جمعية أولى ذات حياة رسوليّة في الكنيسة المارونيّة قبل ان تصبح الرهبنة النسائيّة المارونيّة الكبرى وتلعب دوراً أساسياً في التربية والرعاية الاجتماعيّة والصحيّة في لبنان والمشرق. لم يكن هدف البطريرك، من راء ذلك، إنشاء مؤسّسة كنسيّة فقط بل النهوض بالعائلة عبر تعليم البنات بالإضافة إلى تنشئة الأمّهات المستقبليّات والتشديد على قداسة الأسرة. وتأكيداً على تعلّقه بهذا المشروع خالف التقليد البطريركيّ المارونيّ، الذي يقضي بدفن البطاركة قرب أسلافهم، واختار أن يدفن في دير الرهبنة الأمّ في عبرين.
أمّا في علاقته مع فرنسا فكان الحويّك وريث علاقة تاريخية معقّدة رآها علاقة صداقة وحماية وتبادل لا تبعيّة عمياء. فعندما نكبت فرنسا بالطوفان سنة 1910، طلب من الرعايا المارونيّة جمع المساعدات وإرسالها إلى ضحايا النكبة، في دلالة على ارتباط تاريخيّ متبادل مع فرنسا يعود إلى زمن زيارة الملك لويس التاسع القدّيس إلى وادي قنّوبين في القرن الثالث عشر. ردّت فرنسا الجميل في سنة 1911، حين قدّمت الحكومة الفرنسيّة للموارنة، بسعي منه، ديراً وكنيسة في باريس. في سنة 1913 كرّس الحويّك كنيسة دير العائلة وفي سنة 1915 تم تاسيس رعية سيدة لبنان في باريس التي تحوّلت في العام 2012 إلى إباركيّة.

أمّا من الناحية الماديّة فقد عرف عن الحويّك زهده بالمال وعدم تعلّقه بالمقتنيات فمات خالي الوفاض. أنفق ما تيسّر له على راهباته ووزّع على المحتاجين كلّ ما لديه. كان شديد المحبّة للفقير والمحتاج، يبكي عند لقائهم ويسارع إلى إغاثتهم. لم يكن فقره الإنجيليّ فكرة نظريّة، بل سلوكاً يوميّاً ترجمه في حياته ومواقفه. دعي أبو الفقراء، لا لأنّه ساعدهم فقط، بل لأنّه فهم الفقر بجميع ابعاده: قلّة المال فقر ماديّ، والجهل فقر للمعرفة والتقدم، وقلّة الاعتبار فقر للكرامة، والاحتلال فقر للحريّة، والبعد عن الله فقر للروح.
لكلّ هذه الصفات والمزايا استحقّ البطريرك الحويّك أن يقال عنه “مجد لبنان أعطي له”
الحويّك و جور بني عثمان
شهدت حبريّته أحداث وطنيّة كبرى فرضت نفسها على بكركي. ففي عهد المتصرفيّة، ورغم التزام الحويّك بمواطنيته العثمانيّة ، لم يتوانَ عن العمل على تحصين نظام المتصرفيّة الخاصّ بلبنان وحماية امتيازاته مع المطالبة بإصلاحات إداريّة وسياسيّة. سعى أيضاً إلى تحسين أحوال المعيشة وجعل البلاد قادرة على الحياة واقتلاع أسباب الهجرة. فما أشبه اليوم بالأمس. كان البطريرك مدركاً بأنّ جبل لبنان لا يستطيع أن يعيش بلا إدارة عادلة واقتصاد قادر ونظام يحمي خصوصيّته.
سرعان ما تجاوزت الحرب العالميّة الأولى هذه المطالب الإصلاحية وتحوّلت إلى معركة وجود. اندلعت هذه الحرب في تشرين الأوّل 1914 فدخلتها السلطنة العثمانيّة إلى جانب ألمانيا والمحور. دخل الجيش العثمانيّ جبل لبنان وحلّ مجلس إدارته في آذار 1915. قام الأتراك بإلغاء نظام المتصرفيّة والامتيازات الأجنبيّة ثم حاصروا الجبل برًا وشدّدوا الرقابة على شواطئه. أمّا ثالثة الأثافي فكانت انتشار أسراب الجراد في جبل لبنان “حتى حجبت ضوء الشمس” كما روى معاصرون، فنتج عن ذلك مجاعة رهيبة مات فيها ثلث السكّان. استبسل الحويّك في مقاومة قرار تجويع اللبنانيّين بمواجهة المخطّط العثمانيّ الذي عبّر عنه أنور باشا، ثالث الثلاثة من قادة الإتّحاد والترقّي الحاكم في اسطنبول، بقوله: « قضينا بالحديد على الأرمن، وسنقضي على اللبنانيّين بالمجاعة». إبادة الأرمن وسيفو السريان ومجاعة الموارنة وجبل لبنان. لمواجهة هذه المحنة الوجوديّة وضع الحويّك إمكانات الكنيسة الماليّة والعقاريّة في تصرّف اللبنانيّين. جيّر أموال البطريركيّة وأمواله الخاصّة لمساعدة الجياع وإطعامهم فتحوّل المقرّ البطريركيّ إلى مركز أساس لتامين الغذاء للجائعين من الناس. أصدر أوامره للأوقاف وللأديرة بإعالة الفقراء، وبالرهن والإستدانة والبيع لهذه الغاية كما سيفعل قدس الأباتي شربل قسّيس بعده بما يزيد على نصف قرن. وكأنّه قدر الموارنة الدفاع عن هذا الجبل الذي حضنهم وحضنوه لقرون طوال. تحوّل الإكليروس المارونيّ إلى شبكة مقاومة للمجاعة. أصدرت البطريريكيّة توجيهاً إلى كل أبرشيّتاها وأديارها وإلى كلّ الكهنة والرهبان والراهبات والأخويات والأوقاف، كلّ في نطاقه، بأن يرفعوا لوائح أسبوعيّة عن وسائل دعم الفقراء، مسلمين ومسيحيّين ودروزاً. كما أوعز إلى أمين سرّ البطريركيّة، الخوري بولس عقل، بفتح خطوط مع الإغتراب اللبنانيّ لتوفير المساعدات الماليّة لكل اللبنانيّين بلا تمييز. استطاعت البطريركيّة تأمين الكثير من المؤن والمساعدات الطبيّة من الدول الأوروبيّة وصولاً إلى الصليب الأحمر الأميركيّ، الذي أرسل حمولة باخرة جرى تفريغها داخل حرم الجامعة الأميركيّة في بيروت كما يذكر الدكتور عصام خليفة.
وفي الوادي المقدّس ظهرت رعايته الإجتماعيّة بأدقّ صورها. يذكر الصحافيّ والباحث جورج عرب بأنّ عهده تميّز بالتزام إنسانيّ وتضامن شامل مع الفقراء. شدّد عرب على أنّ المتابعة الحثيثة للرعايا والجماعات القاطنة في محيط الديمان والوادي المقدس، حفظت حياة جميع القاطنين في ذلك المحيط فلم تسجّل بينهم أيّة حالة وفاة بسبب الجوع. واجه المجاعة بفتح طاحونة قنّوبين ويمضاعفة قدرتها الإنتاجيّة. قام بصرف مساعدات يوميّة وأسبوعيّة وشهريّة، شملت مؤنًا غذائيّة ودعمًا ماليّاً، كما هو موثّق في أرشيف الكرسيّ البطريركيّ في الديمان.بالإضافة إلى ذلك حرص البطريرك على تأمين كلفة الطبابة والاستشفاء للمحتاجين وصولاً إلى دفع تكاليف الدفن للعائلات العاجزة.
أمّا من الناحية السياسيّة فقد اتسمت مواجهته لقائد الفيلق الرابع العثمانيّ بالشجاعة والحذر. حاول جمال باشا نفيه وعندما فشل في ذلك استدعاه مرّة أولى إلى صوفر للتحقيق في علاقة الكنيسة المارونيّة بفرنسا. وفي أيّار 1916، الذي شهد السادس منه إعدامات بيروت ودمشق، استدعاه اليه مرّة ثانية واتّهمه بالوقوف وراء مقالات فرنسيّة حول مخطط إبادة اللبنانيّين بالمجاعة. وفي مرة ثالثة التقاه في بحمدون في تمّوز 1917 قبل أن يحتجزه في قرنة شهوان بداية العام 1918 تمهيداً لنفيه. لكنّ جمال باشا اضطر إلى أطلاق سراحه لاحقاً بعد تدخّل الفاتيكان وإمبراطور النمسا حليفة السلطنة.
بطريرك لبنان الكبير
انتهت الحرب، لكنّ دور البطريرك لم ينته بل انتقل إلى الدفاع السياسيّ المباشر عن لبنان. فبعد انهيار الحكم العثمانيّ في تشرين الأوّل 1918 حاول ممثّلو الأمير فيصل إبن الشريف حسين رفع العلم العربيّ في بعبدا. لم يتجاوب الحويّك مع مطالب تأسيس حكومة عربيّة مستقلّة في جبل لبنان بل رحّب بدخول القوّات البريطانيّة والفرنسيّة الجبل والمدن الساحليّة. أُزيل العلم العربيّ وحُلّت الحكومة العربيّة وعاد مجلس إدارة جبل لبنان، الذي عطّله العثمانيّون، إلى العمل من جديد. في كانون الأوّل 1918 ذهب أول وفد لبنانيّ رسميّ إلى مؤتمر الصلح في باريس، برئاسة داود عمّون للمطالبة باستقلال لبنان وتوسيع حدوده. كانت تلك مرحلة تصارعت فيه المشاريع: الأمير فيصل يمثّل التيار العروبيّ والإسلاميّ المطالب بالوحدة السوريّة من جهة وفرنسا وإنكلترا تسعيان إلى توسيع نفوذهما من جهة أخرى. فرنسا نفسها كانت تدرس إمكانيّة إنشاء ولايات متّحدة سوريّة تشكّل نوعًا من الكونفدراليّة. أمّا الحويّك فتمسّك بالقضيّة اللبنانيّة واستقلال لبنان مع توسيع حدوده. حاولت فرنسا، عبر مراسلات بين بكركي وجورج بيكو، إقناع الحويّك بمحاسن الوحدة مع سوريّا، لكنّ جوابه كان حازمًا بطلب الإستقلال الكامل.
في 20 أيّار 1919 أعلن مجلس الإدارة استقلال لبنان في حدود 1860. وبعدما صرّح فيصل في دمشق بأن لبنان جزء من سوريا رأس البطريرك في تمّوز وفداً إلى مؤتمر الصلح في باريس حيث حلّ ضيفًا مكرّماً على الحكومة الفرنسيّة. رفع الحويّك خطابًا إلى كليمنصو، رئيس الحكومة الفرنسيّة ورئيس مؤتمر الصلح، يتضمّن مطلب الاستقلال التام المطلق. لكنّ الواقعيّة السياسيّة، تبعاً لما وجده في فرنسا، جعلته يتبنّى المذكّرة التي قدّمها إلى مؤتمر الصلح في 25 تشرين الأوّل 1919 تحت عنوان «Les revendications du Liban»، وتطالب بالانتداب الفرنسيّ بغية محاصرة تطلّعات فيصل وإقناع فرنسا بالقضيّة اللبنانيّة.
في 10 تشرين الثاني 1919 حصل الحويّك على تعهّد خطيّ من كليمنصو يعد اللبنانيّين فيه بالإستقلال مع ضم السهول والمرافئ البحرية. اعتُبر هذا التعهّد بمثابة وثيقة استقلال فعاد الحويّك إلى بيروت في كانون الأوّل 1919 حيث استُقبل استقبال الفاتحين. لم تنته المعركة بهذا الاعلان، فرغم تعيين غورو مفوّضاً سامياً على لبنان وسوريا، نظر كليمنصو بإتفاق مع فيصل يترك فيه إدارة بعض المناطق لحكومة دمشق. عندها عاد الأخير إلى نغمة أنّ لبنان لن يوسّع ولن يستقلّ عن سوريّا، بل سيحصل على حكم ذاتيّ واسع في أحسن الأحوال. رفض الحويّك هذا الطرح ودخل في مواجهة مع قسم من الدبلوماسيّين الفرنسيّين الداعمين لهذا المشروع. نتيجة لخطورة الأمر، وبسبب استحالة سفره مجدّداً إلى باريس وهو في الثامنة والسبعين، أرسل وفداً ثالثاً برئاسة المطران عبدالله خوري ضمّ ألفرد سرسق الأرثوذكسيّ، كامل بك الأسعد الشيعيّ والأمير توفيق إرسلان الدرزيّ إلى باريس. ركّز الوفد في مطالباته على توسيع لبنان بالسهول والمدن الساحليّة من جهة وعلى تثبيت الإنتداب الفرنسيّ كضمانة لاستقلال لبنان عن سوريا.
في آذار 1920 عقد فيصل وحلفاءه المؤتمر السوريّ الثاني، الذي أعلن فيصل ملكاً على سوريّا وفلسطين ولبنان. ازدادت مخاوف اللبنانيّين من ضمّهم إلى سوريّا خاصّة بعد مشاركة بعض الرؤساء الروحيّين المسيحيّين في المبايعة و أظهار البعض الاخر التعاطف مع المشروع السوريّ. بتدبير من البطريرك، تصاعدت التحرّكات الرسميّة والشعبيّة اللبنانيّة المعارضة لقيام المملكة السوريّة. عقدت الإجتماعات وانطلقت تظاهرات في بعبدا. رفع بعض المتظاهرون علماً ثلاثيّ الألوان، أزرق وأبيض وأحمر، مع أرزة خضراء في الوسط. ثم أتى مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920 ليوكل إلى فرنسا الإنتداب على سوريّا، مع أغفال ذكر لبنان، فاستمرّت البطريركيّة في مساعيها حتى إعلان الدولة في أيلول.

في 1 أيلول 1920 أعلن الجنرال غورو، يحيط به الحويّك عن يمين ومفتي بيروت مصطفى نجا عن شمال، دولة لبنان الكبير من على درج قصر الصنوبر في بيروت، بحضور شخصيّات محليّة مسيحيّة وإسلاميّة وفرنسيّة. وكان القرار رقم 318 قد صدر في 31 آب محدّداً حدود لبنان الكبير وفق ما سعى إلى تحقيقه رأس الكنيسة المارونيّة. أصبحت مساحة لبنان 10452 كيلومتراً مربّعاً بعدما كانت مساحة المتصرفيّة نحو 3500 كيلومتراً مربّعاً، وضُمّت أقضيّة حاصبيّا وراشيّا وبعلبك وزحلة بالإضافة إلى ولايتي بيروت وطرابلس مع ملحقاتهما إلى الدولة الوليدة.
لبنان الحويّك ونقيضه
فجّر إعلان لبنان الكبير تناقضات عميقة. رأى فيه القوميّون اللبنانيّون، وخصوصاً الموارنة، ثمرة تاريخهم ونضالهم منذ فخر الدين والعلّامة الدويهي من أجل الحصول على وطن لا يكونون فيه أهل ذمّة. على المقلب الآخر، رفضت الانتماء إلى الوطن الناشىء قطاعات سنّية واسعة لأسباب دينيّة وسياسيّة واقتصاديّة، لشعورها بأنّها فُصلت عن الداخل السوريّ والعالم العربيّ الإسلاميّ. أمّا الجدل المسيحيّ الداخليّ فلم يكن أقلّ تعقيداً. رأى بعضهم، وهذا ما سوف يتكرر دوريّاً عند كلّ استحقاق وأزمة، بأنّ لبنان الكبير كان “دعسي ناقصه”، لأنّ متصرفيّة جبل لبنان حوت اغلبيّة مسيحيّة بينما ضمّت المناطق الجديدة أكثريّة إسلاميّة، ممّا يهدّد مستقبل المسيحيّين. حذّرت بعض القيادات المارونيّة من النموّ الديمغرافيّ الإسلاميّ، وطالبت بالعودة إلى لبنان صغير مع بعض المناطق الحيويّة فقط. من أبرز هؤلاء الرئيس إميل إدّه، المطران أغناطيوس مبارك، سليمان البستاني… في المقابل، كان خيار الحويّك، وهو الخارج حديثاً من ويلات الحرب والمجاعة، لبنان الكبير لأنّ الكيان لا يحيا بلا سهول ومدن ومرافئ وحدود اقتصاديّة قادرة على ضمان بقائه. كان مشروعه أوسع من حماية جماعة، وأعمق من رد فعل سياسيّ، لأنه جمع بين الهاجس الوجوديّ والواقعيّة الاقتصاديّة.
إن المحن المتعاقبة التي أصابت الوطن الصغير وإن أفتت ظاهريّاً بصواب رأي معارضي الحويك بتوسيع حدود المتصرف لكن التمحيص في ظروف النشئة واسباب القرار تشير باتجاه اخر. إنّ إعمال منهج نظرية ارسطو في الابطال المنطقي وتطبيقاتها مع كارل بوبر تقودنا الى أنّ البديل المنطقيّ الوحيد لدولة الحويّك، بعد استبعاد باقي الاحتمالات كالإنضمام الى كونفدراليّة سوريّة، هو قيام دولة شبيهة باسرائيل. ودون الدخول في التفسيرات الدوغمائيّة فإنّ هذا الخيار سيكون بين لبنان دولة لم نحسن قيادها وكيان يتصارع مع محيطه مصيره منذ لحظة نشوئه وإن طال الزمان سيكون مماثلاً لمصير الممالك والإمارات الصليبيّة. لا يستطيع عاقل أن يحمّل الحويّك وزر فشلنا في إقامة دولة قادرة وتفنّنا بإعادة إنتاج ما يسمّى بال”طقم العثمانيّ” إنما ببذلات أوروبيّة. تركنا الأطراف في تخلّفها، عدا تجربة شهابيّة رائدة رغم مثالب قليلة، وسلّمنا البلد إلى طبقة كليبتومانيّة متعدّدة المذاهب والمشارب وإن أطلق عليها زوراً صفة المارونيّة السياسيّة.
إعلان لبنان الكبير، رغم أهمّيته كحدث تأسيسيّ، لم يلغِ الأسئلة المفصليّة التي نتجت عنه. نشأت الدولة الجديدة وفي داخلها تناقضات اقتصاديّة وديمغرافيّة وثقافيّة. اقتصاديّاً، كانت بيروت مرتبطة بالجبل، أمّا طرابلس وصيدا فكانتا أكثر التصاقاً بسوريّا لذلك شعر أهل المدينتين بأنّ دورهما قد تقلّص. أيضاً فصل التقسيم الجديد سكّان البقاع عن دمشق، وسكّان الجنوب عن حيفا. في المقابل تمتّع مسيحيّو لبنان الصغير باقتصاد أكثر استقلالاً وتطوّراً بفضل تجارة الحرير، بينما خضعت مناطق الأطراف لإقطاع زراعيّ شديد ولسيطرة كبار الملّاكين. من الناحية الديمغرافيّة لم يعد الموارنة أكثريّة مطلقة كما في زمن المتصرفيّة فيما دخلت طوائف جديدة في كيان واحد غير متجانس. ثقافيّاً، كان التعليم في الجبل متقدّماً نتيجة للمدرسة المارونيّة والإرساليّات الحبريّة والاحتكاك بالغرب، بينما كانت المناطق الخاضعة مباشرة للعثمانيّين أقلّ حظّاً في التعليم والبنى الثقافيّة. هذه التناقضات كانت من أسباب القصور الذي ظهر لاحقاً في بناء وطن واحد من جماعات مختلفة.
في مواجهة هذه التناقضات لم يكن الحويّك رجل انعزال بل كان قائداً لجميع اللبنانيّين وفق الشعار الذي اطلقه سنة 1923 “لبنان طائفة واحدة لبنانيّة.” أكثر ما أخاف البطريرك الكبير على مستقبل لبنان: مشروع يذيب لبنان في سوريّا، ومشروع يحوّل الانتداب إلى استعمار. وبين هذين الخطرين حاول أن يحفظ استقلال الكيان وكرامة الناس. لمواجهة هذه الاحتمالات الكارثيّة عمل الحويّك بلا كلل على انتقال المجموعات اللبنانيّة من التقوقع الطائفيّ إلى فضاء وطنيّ جامع، مع احترام خصوصيّات الطوائف وأحوالها الشخصيّة.
لبنانيّ في الدنيا والآخرة
في كانون الأوّل 1931 مرض البطريرك واشتد عليه الداء، فقبل الأسرار الإلهيّة ورقد بسلام في 24 منه. ومع إعلان تطويبه، ليس غريباً أن يعود الحويّك اليوم، وذلك بعد ما يقارب القرن من الزمن على رحيله، شأنه في حياته مالئاً الدنيا وشاغلاً الناس. لكنّ الأعجب وطنيّاً، في زمن القسمة والتشرذم، فهي المعجزة التي كانت وراء التطويب. ففي العام سنة 1965 شُفي نايف أبو عاصي، وهو ضابط في الجيش اللبنانيّ من طائفة الموحّدين الدروز، من مرض انحلال الفقار الثنائيّ المزمن بعدما رأى البطريرك في منامه ليستيقظ معافى بعدها. فحتى في الطريق التي خطاها على درب القداسة، رفض الحويّك أن يكون إلا عاملاً موحّداً. لذلك بقي لقبه، بطريرك لبنان الكبير، أكثر من لقب احتفاليّ. إنّه لقب رجل حوّل فكرة جغرافيّة وسياسيّة وروحيّة إلى دولة، وحمل في عنقه تناقضات لبنان كلها: الفقر والحريّة، الكنيسة والوطن، فرنسا وسوريّا، الجبل والساحل، الخوف على الوجود والإيمان بالعيش المشترك. ونحن إذ نستعدّ لحفل تطويبه نطلب من الله ان يمدّنا بقادة من هذا العيار ليكون لنا ما قاله إبن أبي طالب “رب همّة احيت امّة.” والسلام…
ع. م. سيمون يمّين





