الثامن والعشرون من أيلول هذا العام ليس بيومٍ عاديٍّ.
عيد الميلاد الثامن والخمسون طبعاً.
يومٌ كان ليكون بداية حياة جديدة.
أول يوم كمتقاعد.
تطوّع في الجيش سنة 1992.
خمسة عشر عاماً من الخدمة،
تقاعد مبكّر في نيسان 2007،
عودة إلى إهدن،
إلى الربع والخلّان،
إلى الألف والياء.
مطارح تكون فيها نفسك بلا تعريف،
ولا شروحات إضافيّة.
بيروت، رغم كل شيء،
نصف غربة وأكثر.
لكن الحياة لا تسير كخطٍّ هندسيٍّ.
ربيع 2007،
وبدلاً من لملمة الأوراق،
وتعليق البدل،
كانت معركة نهر البارد.
أصيب من أصيب،
استشهد من استشهد
و”كملنا باللي بقيوا” كما نادت فيروز.
تتالت الأحداث،
وتوالت السنون.
والجيش أبداً على خطّ النار.
يومٌ، “لا تسريح”،
ويومٌ، “مرسوم حوافز”.
رحم الله من أسماه “مرسوم الحوافر”.
بين غد،
وبعد غد،
وبعد بعد غد، طار العمر.
سنوات مرّت وأدركَنا ما خشيناهُ طويلاً.
بحثنا ودرسنا
وكم حذّرنا،
إنما على من تقرأ مزاميرك يا داوود.
وكان الانهيار الكبير.
أتى وقت الحساب،
ومرٌّ كان هذا الحساب.
اليوم،
في الثامنة والخمسين،
يجد المرء نفسه
في المقلب الآخر من الكرة .
“إذا لم تكن جزءاً من الحلّ
فأنت جزء من المشكلة”
أصبح الخيار محصوراً بين “الشطارة على اللبناني” و”الشحاده”
فكان لا بدّ مما لا بدّ منه.
لا بدّ من شدّ الرحال
ولو الى أقاصي الأرض.
عودٌ على بدء.
رحلة جديدة.
كفاح خرّيج حديث من الجامعة.
مأساة في ثوب مهزلة.
أن تضع خلفك أكثر من عقود ثلاثة،
وتبدأ من جديد.
بلد جديد.
مجتمع جديد.
عمل جديد.
بيئة عمل جديدة.
ليست هذه بطولة.
البدء من جديد في خريف العمر
ليس “أكلة عسل” إلا في الحكايا.
خاصّة في مهنة تصادر منك حتى إسمك.
أكثر ما يحزّ في النفس ليست الخسارة المباشرة،
وهي فادحة بلا أدنى شك.
يؤلمك حال الرفاق والأتراب،
من متقاعدين ومعاقين، وحال عائلات الشهداء.
تتابع من بعيد على “الغروب”.
تتمعّن في الكلمات،
وما وراء الكلمات.
تقرأ بين السطور،
تسمع الشكوى،
وتحسّ بوحشة الانتظار.
وعود،
وعود…
ومطالب،
ثم مزيد من الانتظارات.
تشعر أنّ الجوّ جوّ انتظار “غودو”.
كلٌّ يقطّع الوقت على طريقته،
ينتظر شيئاً لعلّه يكون أو لا يكون.
رغم كل شيء،
لا مجال إلا لقول “شكراً لكندا”.
شكراً على الاحتضان،
وشكراً على الفرصة الثانية.
والفرص، كما نعرف،
لا تأتي كل يوم.
في هاليفاكس،
جالية لبنانيّة كبيرة،
ناجحة،
ومحترمة.
تحمل لبنان معها،
من دون انعزال عن مجتمع احتضنها.
تفتخر بجذورها،
وبجيشها،
ورجاله.
لكن الغربة
تبقى غربة.
مهما كانت البلاد آمنة وجميلة،
مهما فَتَحَت لك من أبواب.
لا شيء يعوّض البيت،
بيت بُني بأهداب العيون.
ولا شيء يعادل جمعة الأهل والأصحاب.
“كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنينُه أبداً لأوّل منزلِ”
يقول أبو تمّام.
اليوم،
في الثامنة والخمسين،
أنظر إلى الوراء،
فأرى طريقاً
لم يكن أبداً بمستقيم.
المشكلة ليست في الطريق،
بل في الاعتقاد بأن الحياة سائرة بما نرسم.
والحقيقة أنها قلّما تفعل.
نحن نرسم،
وهي تمحو.
نخطّط،
فتعدّل.
نختار المرافئ،
وتجرفنا الرياح.
رغم ذلك،
لا مكان لليأس.
الأمل موجود،
والهمّة موجودة.
فألف تحيّة للرفاق
مع خالص المودّة والشكر على المعايدة.
ومعهم سنبقى نقول:
“تجري الرياح كما تبغي سفينتنا
نحن الشراع ونحن الريح والقدر”
والله وليّ التوفيق.




